الألم في شعر أبي القاسم الشابي

 

صورة أبو القاسم الشابي

الألم في شعر أبي القاسم الشابي

                من الطبيعي أن يختلف الشعراء في إحساسهم بالكون وبوجودهم وما يدور حولهم من تغيرات وتحولات التي نراها تحدث بين الحين والآخر ، وبالتالي لا بد أن يكون هناك اختلافا واختلافا تاما في تعبيرهم وبوحهم عن هذه المشاعر والأحاسيس التي تنتاب داخلهم وتختلج في صدورهم ، معتمدا على مدى قوة وعمق إحساسهم بالشيء ، فهم ليسوا جميعا سواء في الإحساس والشعور ، وإنما تجد درجة الإحساس مختلفة لديهم ، فالبعض الآخر يكون سطحي الإحساس معبرا عن إحساس خفيف وطفيف لا يؤثر في نفس المتلقي إلا تأثيرا ظاهرا ولا يترك أي أثر ، نتيجة لوصف الشاعر لهذا الإحساس وصفا خفيفا ، فلذلك تجد شعره فاتر وممل نوع ما لا توجد فيه أي حرارة التي من شأنها أن تؤثر ذلك التأثير في نفس المتلقي.

ومن الشعراء من يتعمق ويتوغل في التعبير عن الإحساس والشعور الذي ينتابه من الداخل وما يدور في نفسه ، تعمقا يصل إلى باطنه وخفايا داخله ، فلذلك تجد إن هذا النوع من الشعر له تأثير واضح وملموس في نفس المتلقي ، بمعنى إنه عندما يتطلع عليه يجد نفسه يشعر بنوع من التسرية عن نفسه والراحة الحقيقية ، وذلك لأن هذا الشاعر بأبياته الشعرية يترجم ما يختلج في نفسه من شعور صادق نابع عن عاطفة صادقة ومتقنة عايشها الشاعر وبذلك يجعل المتلقي يشاركه هذا الشعور والإحساس ويكون قريبا منه.

ويعتبر الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي من أبرز شعراء العصر الحديث الذين جاء شعرهم ترجما لأحاسيسهم ومشاعرهم وعواطفهم الصادقة النابعة عن تجربة ومرحلة عايشها الشاعر في مرحلة من مراحل حياته واستطاع أن يترجم وينقل هذه المشاعر و الأحاسيس إلى أبيات شعرية لتصل إلى الجميع ويشاركون الشاعر في هذا الشعور والإحساس الصادق ، فقد أصيب الشاعر بمرض القلب في بواكير شبابه وبداية حياته ، إلا أن الشاعر وبعبقريته الشعرية استطاع أن يحول هذا الإحساس والشعور بالألم واليأس من الحياة وانقطاع الأمل منها إلى فلسفة شعرية ضمنها شعورا مليئا بالتحدي والإصرار على مواصلة المشوار المكلل بالإبداع والتميز ، شعورا تملئه البهجة  والسرور، جاعلا من علته دافعا نحو التميز وبلوغ القمة.

فلذلك نجد أن الشابي قد اتخذ من شعره كوسيلة للتعبير عن آلامه وأحزانه وأشجانه ، وجاءت قصائده مهللة بدموع الحزن والألم  الذي ينتاب الشاعر معبرة عن عاطفة صادقة ، فمن خلال الأبيات الشعرية القادمة من أغنية ” الأحزان ” التي نظمها  نجد أن الشاعر أخذ يشدوا أغانيه الشعرية والدموع تنهمر من عينيه للدلالة والتعبير عن حزنه وألمه ، فيقول في ذلك:

حطمت كف الأسى قيثارتي
  

في يد الأحلام
  

فقضت صمتا أناشيد الغرام
  

بين أزهار الخريف الذاوية
  

وتلاشت في سكون الإكتئاب
  

كصدى الغريد
  

كف عن تلك الأغاني الباسمة
  

أيها العصفور
  

فحياتي ألفت لحن الأسى
  

من زمان قد تقضى وعسى
  

أن يثير الشدو في صمت الفؤاد
  

أنة الأوتار
  

 

فعند قراءة القارئ للمقطع السابق من أبيات أبي القاسم الشابي يشعر ويعايش بوخز الألم في صدر الشاعر ونفسه ، فقد تحطمت قيثارته ، حطمها كف الأسى في يد الأحلام وذابت نغمات الغرام بدنياه في غمرة هذا التحطيم ، وغيرها من الألفاظ والمعاني المعبرة عن الألم والحزن الذي ينتاب الشاعر.

فالشاعر يشعر  بخيبة الأمل والإحساس باليأس  والبؤس اللذان أصبحا بمثابة الظل الدائم الذي يرافقه في حياته نتيجة للمرض الذي أصيب به وبسببه تلاشت آماله وأحلامه وتساقطت كما تتساقط أوراق الخريف والشاعر عاجز عن فعل أي شيء  أو بذل أي مجهود حيال ذلك ، فلا يجد مخرج من ذلك إلا أشعاره كوسيلة ومخرج للتنفيس والتعبير للعالم الخارجي عن هذا الحزن والألم ، ولذلك جاءت أشعاره بمثابة حبات من الدمع الذي يتناثر من عينيه كلما تذكر وشعر بعلته وما جنت له من متاعب وشقاء ، ونجد ذلك واضحا في أغنيته ” مأتم القلب ” من خلال الأبيات الشعرية التي تتضمنها :

في الدياجي
  

كم أنا جي
  

مسمع القبر بغصَّات نحيبي وشجوني
  

ثم أصغي علَّني أسمع ترديد أنانيني
  

فأرى صوتي فريد
  

مات حبَّي
  

مات قلبي
  

فاذرفي يا مقلة الليل الدراري عبرات
  

فوق قلبي فهو قد ودَّع أوجاع الحياة
  

بعد أن ذاق اللهيب
  

 وغيرها من الأبيات الشعرية أو كما تسميها المصادر أغاني الشابي التي جسدها وجعلها حاملة ومعبرة عن مدى الحزن والألم واليأس الذين اختلجوا صدره وعكروا عليه صفو الحياة ورونقها والاستماع بجمالها .

وعلى هذا النهج  جاءت معظم أشعار الشابي ، حيث غلب عليها طابع الحزن والبكاء والشعور بالألم ، ويعتبر شوقي ضيف في كتابه دراسات في الشعر العربي المعاصر إن هذا الألم والشعور باليأس هو منبع شاعريته ومصدرها ، حيث إن هذا الشعر جاء معبرا عن عاطفة صادقة ، وبدورها أعطت لهذا الشعر وصبغته بطابع الحزن والألم.

فالقارئ يجد في شعر الشابي إن هذه الأشعار كلها نبتت في تربة الألم وتمايلت أغصانها في ظلمة المرض وهمومه وأوجاعه.

ولم يكن إحساس أبي القاسم الشابي بالحزن والألم لعلته ومرضه فحسب وإنما جاء شعور الشابي بالألم والحزن لما أصاب أمته من خراب ودمار وانتشار للفساد نتيجة للاستعمار الأجنبي للأمة العربية  وعلى وجه التحديد بلده الأم تونس فقد أذلها الفرنسيون وحولوها إلى جحيم ، إضافة إلى  التخاذل والهوان والجمود والجبن الذي التمسه الشابي من شعوب الأمة العربية اتجاه الاستعمار الغربي فقد ضلوا جامدين ولم يستيقظ منهم إلا القليل وهذا ما آلم الشاعر وأحزنه وعبر عنه في شعره ، فلذلك نجد أن هذا الشاعر اتخذ من شعره وسيلة للنضال والدفاع عن حقوق هذه الأمة ومنبرا للمناداة بالحرية والاستقلال والقضاء على الاستعمار والدفاع عن الوطن وجاء ذلك واضحا في شعره فيقول في ذلك:

ألا أيها الظالم المستبد
 

حبيب الفناء عدو الحياة
  

سخرت بأنات شعب ضعيف
 

وكفك مخضوبة من دماه
  

وعشت تدنس سحر الوجود
 

وتبذر شوك الأسى في رباه
  

تأمل هنالك أني حصدت
 

رءوس الورى وزهور الأمل
  

ورويت بالدم قلب التراب
 

وأشربته الدمع حتى ثمل
  

سيجرفك السيل سيل الدماء
 

ويأكلك العاصف المشتعل
  

 وبالرغم من كل هذه المصائب التي عصفت بالشاعر  إلا أنه لم يضعف ويهن أمامها وأمام هذه الظروف القاسية التي تعصف به ، فا هو يقف في وجه المستعمر الذي اغتصب بلادة عنوة وعاث بها وبأهلها الفساد والدمار معلنا تحديه له والوقوف في وجه ووجه المرض والعلة التي أصابته مصرا على التغلب عليها بالتفاؤل والأمل ويجسد الشاعر هذا المشهد أروع تجسيد  في الأبيات التالية من قصيدة  الرائعة ” إرادة الحياة ” :

إذا الشعب يوما أراد الحياة
 

فلا بد أن يستجيب القدر
  

ولا بد لليل أن ينجلي
 

ولا بد للقيد أن ينكسر
  

ومن لم يعانقه شوق الحياة
 

تبخر في جوها واندثر
  

كذلك قالت لي الكائنات
 

وحدثني روحها المستتر
  

ودمدمت الريح بين الفجاج
 

وفوق الجبال وتحت الشجر
  

إذا ما طمحت إلى غاية
 

لبست المنى وخلعت الحذر
  

هو الكون حي يحب الحياة
 

ويحتقر الميت المندثر
  

فويل لمن لم تشقه الحياة
 

من لعنة العدم المنتصر
  

 ومثلما أعلن الشاعر تحديه ووقوفه أمام المستعمر وعلته ، أيضا يواصل تحديه مؤكدا ثباته أمام من يسخر منه ومن شعره وأدبه مؤكدا لهم وبالرغم من علته ومرضه بثباته وقوته أمام صروف الدهر ومصائبه معطيا للشعر الذين سخروا منه مزيدا من القوة وسمو المعاني التي يحملها وقد جعل من صدق العاطفة في شعره السمة التي تميز وسما بها شعر الشابي عن غيره من أشعار الشعراء في ذلك الوقت بالرغم من صغر سنه وبدايته المبكرة في قول الشعر ، فيصور تمسكه بإرادة الحياة وثباته ومواصلة مشوار التحدي في قصيدته ” نشيد الجبار ” :

سأعيش رغم الداء والأعداء
 

كالنسر فوق الهمة الشماء
  

أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا
 

بالسحب والأمطار والأنواء
  

لا ألمح الظل الكئيب ولا أرى
 

ما في قرار الهوة السوداء
  

وأسير في دنيا المشاعر حالما
 

غردا وتلك طبعة الشعراء
  

وأقول للقدر الذي لا ينثني
 

عن حرب أمالي بكل بلاء
  

لا يطئ اللهب المؤجج في دمي
 

موج الأسى وعواصف الإزراء
  

فاهدم فؤادي ما استطعت فإنه
 

سيكون مثل الصخرة الصماء.
  

ويعيش كالجبار يرنو دائما
 

للفجر ، للفجر الجميل النائي
  

 وبالرغم من ذلك ، إلا أن المتطلع على شعر الشابي سيجده متخلخلا بمجموعة من الأبيات الشعرية التي عبر فيه الشابي عن تقبله لأمر القدر وتفهمه للنهاية التي سيؤوي إليها مصيره وإحساس الشاعر بالضعف في هذه الحياة  ، وقد أصبح قريبا من الموت والانتقال إلى الحياة الأبدية  ، إضافة إلى ذلك تحمل هذه الأبيات رغبة الشاعر في الخلاص من الدنيا ومصائبها ، حتى ينجو بنفسه من شرورها فلقد كفاه ما لقي منها من متاعب ، فلذلك تجده يستقبل الموت وهو راضيا مطمئنا ، وكأنه يجد أن الموت هو المفر الوحيد والطريق الفريد الذي سيعتقه من أحزانه ، فتذمل جروحه وتجف دموعه ويغادر دنيا الهموم والمتاعب من غير رجعه ، ونجد ذلك واضحا في قصائده ومنها :

اسكني يا جراح
 

واسكني يا شجون
  

مات عهد النواح
 

وزمان الجنون
  

وأطل الصباح
 

من وراء القرون
  

 

ويتغني الشاعر سعيدا برحيله من هذه الدنيا فيقول في ذلك :

الوداع الوداع
 

يا جبال الهموم
  

يا ضباب الأسى
 

يا فجاج الجحيم
  

قد جرى زورقي
 

في الخضم العظيم
  

ونشرت القلاع
 

فالوداع الوداع
  

 وختاما نجد أن طابع الألم والحزن هما الصبغة البارزة التي صبغ بهما الشاعر أبياته الشعرية، وجاء ذلك توافقا مع الظروف التي قدر أن تكون المرحلة التي تعبر من خلالها حياته.

وهكذا ذبلت تلك الزهرة التي قدمت وبالرغم من الفترة القصيرة التي مكثها في هذه الحياة ما لم يقدمه من مكث طويلا ولم يحقق شيئا فقد اختطفها الموت قبل أوان رحيلها ، نعم مات الشابي ورحل عن هذه الدنيا وهذا أمر لا مناص منه ، إلا أنه ترك وخلف ورائه إرثا أدبيا عظيما خلد ومل زال يخلد وسيخلد اسمه ما دامت الحياة باقية ، خلف خلفه إرثا ساهم في الرقي والحفاظ على عربيتنا الخالدة التي أصبحت بمثابة الغريب بين أهله.

فالمستقبل أمامنا طويل وأرجو أن أصحو صباح يوم وأرى مثيل لمن أعطى للعربية قوتها وعزتها ويساهم في إعادة المجد التي كانت عليه ، لا هجرها والابتعاد عنها ، ولا يسعني إلا أن أختم هذا المقال بالبيت الشعري التالي للشاعر الكبير حافظ إبراهيم :

يأتون أهلها بالمعجزات تفنن
 

فيا ليتكم تأتوني بالكلمات
  

 

 

 

  • ·     المصادر:

دراسات في الشعر العربي المعاصر ، الدكتور شوقي ضيف ، مكتبة الدراسات الأبية ، دار المعارف ، ط9.

         

 

 

 

 

 

 

                                                                                                          

About these ads

أضف تعليقا

مصنف تحت مفرفئ الإبداعات النثرية

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s